الجاحظ

213

البيان والتبيين ( ط مكتبة الهلال )

الجواري . والقلب ضعيف ، وسلطان الهوى قوي ، ومدخل خدع الشيطان خفي » . فاذكر هذا الباب ولا تنسه ، ولا تفرّط فيه ، فإن عمر بن الخطاب رحمه اللّه لم يقل للأحنف بن قيس - بعد أن احتبسه حولا مجرّما ، « 1 » ليستكثر منه ، وليبالغ في تصفح حاله والتنقير عن شأنه - : « إن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله قد كان خوّفنا كل منافق عليم ، وقد خفت أن تكون منهم » إلا لما كان راعه من حسن منطقه ، ومال إليه لما رأى من رفقه وقلة تكلّفه ، ولذلك قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله : « » إن من البيان لسحرا » - وقال عمر بن عبد العزيز لرجل أحسن في طلب حاجة وتأتى لها بكلام وجيز ، ومنطق حسن : « هذا واللّه السحر الاحلال » . وقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله : « لا خلابة » . فالقصد في ذلك أن تجتنب السوقي والوحشي ، ولا تجعل همك في تهذيب الألفاظ ، وشغلك في التخلص إلى غرائب المعاني . وفي الاقتصاد بلاغ ، وفي التوسط مجانبة للوعورة ، وخروج من سبيل من لا يحاسب نفسه . وقد قال الشاعر : عليك بأوساط الأمور فإنها * نجاة ولا تركب ذلولا ولا صعبا وقال الآخر : لا تذهبنّ في الأمور فرطا * لا تسألنّ إن سألت شططا وكن من الناس جميعا وسطا وليكن كلامك ما بين المقصر والغالي ، فإنك تسلم من المحنة عند العلماء ، ومن فتنة الشيطان . وقال أعرابي للحسن : علمني دينا وسوطا ، لا ذاهبا شطوطا ، ولا هابطا هبوطا . فقال له الحسن : لئن قلت ذاك إن خير الأمور أوساطها .

--> ( 1 ) مجرم : تام ، كامل .